إن للجغرافيا تأثير على وقائع التاريخ، والعكس صحيح، بل هما مسرحان لضبط التحرك البشري في إطار الزمان والمكان. فالجغرافيا فسحت المجال للساكنة الفجيجية أن تستقر وتتكاثر عبر توافذ مجموعات من المهاجرين إليها لِمَا توفره من تدفق دائم للمياه عبر المنابع الباطنية، وكذلك الاستفادة من الانفتاح على الخارج، عبر منافذ العبور التي تتخلل الجبال المحيطة بفجيج إلى مختلف الاتجاهات على المستويين الطولي والعرضي. والجغرافيا هي أيضا من ناحية أخرى، في هذه المنطقة المتاخمة للمجالات الصحراوية، تعتبر عائقا من وجوه عِدَّة في وجه الساكنة وتزايد أعدادها، بالنظر لقساوة المناخ ومحدودية الأراضي القابلة للزراعة، بالإضافة إلى تخلف وسائل الإنتاج.
ورغم ذلك فإن السكان استطاعوا التكيف مع هذه الوضعية من خلال تراكم التجربة والاهتداء إلى وسائل الاستفادة من المعطيات الطبيعية المتاحة رغم شُحِّها عبر مئات السنين. هذه الثنائية الموصوفة هي التي حَدَّدَت بشكل حاسم تحركات السكان من وإلى البلاد الفجيجية منذ قرون من الزمن. وهي ظاهرة بنيوية بامتياز، فالمشاكل التي تطرحها الوضعية المناخية في الأقاليم الصحراوية تؤثر بشكل كبير على مصادر العيش.
كان غرض هذا الكتاب في حيز منه يهدف إلى إبراز أهمية تعمير بلاد فجيج وتَتَبُّع مراحله، وكذا المجموعات البشرية التي استوطنتها منذ قرون موغلة في القدم. ويكفي للدّلَالَةِ على ذلك القدم، انتشار واسع لرسوم الحيوانات التي كانت تسرح في المنطقة منذ آلاف السنين إلَّا أن المادة المصدرية لم تسعفنا في ذلك إلَّا في القليل. وهذا المجال الواحي في الجنوب الشرقي المغربي الذي يمتد منه مركز الواحة الفجيجية إلى نطاقات ترابية شرقا وغربا، بمسافات تتجاوز 100 كلم أحيانا، كان مُرْتَبِطاً ببعضه في الماضي، من حيث الأصول الإثْنِيَّة البشرية واللغويبة ونمط العيش، إضافة إلى مجموعة من العادات والتقاليد المشابهة. ومع ذلك فإن مركز الواحة الفجيجية، بالنظر إلى تموضعها وتكوينها الجغرافي وقِدَمِ تعميرها، كانت تنفرد بكونها تشكل نقطة إشعاع ديني وثقافي واقتصادي، عَمَّ إشعاعها على كل ذلك المجال الواسع بدرجات متفاوتة، وبقي الأمر كذلك إلى بداية الهجمة الاستعمارية الفرنسية القادمة من جنوب غرب الجزائر منذ الثلث الأخير من القرن 19 م، فتبدلت الأحوال وانكمش المركز عن الأطراف وانكفأ من تَمَّ على نفسه.
أحمد مزيان
978-9920-438-57-5
















Reviews
There are no reviews yet.