يندرج السؤال الأخلاقي في صميم الفلسفة العملية التي تُكوِّنُ بدورها جزءا مهما من الفلسفة إضافة إلى الفلسفة النظرية. هل لهذا السؤال معنى بعد انهيار القيم والمعايير التي واكبت موجات الحداثة المتعددة وانعطافاتها الكبرى.
لم يعدْ السؤال «ما العمل؟» أو «ما الفعل؟» مُحَدَّداً وذي موضوع بل وحتى ذي جدوى. يُطْرَح سؤال عدم الفعل أو اللافعل نفسه في نفس السياق وله ما يبرره. هل يبقى للأخلاق معنى في ظل انهيار المنظومات المولِّدة للمعنى؟ ثم هل للمذاهب والأنساق الأخلاقية مكان وسط تذري وتفكك المنظومات الفكرية الكبرى؟
يبدو أن زيادة الطلب على الأخلاق لم يكن أبدا بنفس الإلحاح الذي هو عليه اليوم، ولا الحاجة إلى الأخلاق في مجالات الطب والتقنية والاقتصاد والحياة العامة أكثر مَسِيساً مما هو عليه في الحاضر، وراج استعمال مفاهيم ذات مرجعية أخلاقية وإيتيقية مثل «البيو-إيتيقا»، وأخلاقيات عالَم الأعمال، وتخليق الحياة العامة والسياسة، ومن مفارقات العصر أن نفس الإلحاح والحاجة يُقابله أفول السرديات الكبرى في عصر ما بعد الميتافيزيقا ومعها القيم الأخلاقية والإيتيقية.
هناك - حسب «جاكلين روس» - مؤشرات على أزمة القيم في الزمن الحاضر: منها أفول المعنى، وانهيار الإيديولوجيات الكبرى، وصعود النزعات الفردانية، والانفجار التكنولوجي، والفراغ الإيتيقي. هل يمكن انبعاث أخلاق جديدة في ضوء عالمٍ تَعُمُّهُ الفوضى، وتشملُهُ العدمية. بِقَدْرِ امتلاك الإنسان قوةَ تحكُّمٍ كبيرةٍ بفضل التقنية يبدو أنه يواجهُ فراغا هائلا.
لا يمكن للإيديولوجيات الكبرى ولا للسرديات الشمولية أن تُشَرَعِنَ قِيَماً، أو تؤسس أخلاقا، أو تُنْشِئَ إيتيقا، ولَمْ تُيَسِّرْ النزعة الفردانية الأمر من أجل ظهورِ انبعاثٍ أخلاقي، بل أدَّى إلى ظهور تضخُّمٍ نرجسي لدى الإنسان المعاصر، وإلى احتضان نزعات هيدونية تُعلي من شأن المتع والملذات الحسية، وتقول «جاكلين روس» في هذا الصدد: «في عصر الأفراد التَّافِهين، المُنقادين إلى الحياة الخَاصَّة والذاتية، هل يمكن العثور على إيتيقا للإنسانية جمعاء؟»
9789920531788














Reviews
There are no reviews yet.